حيدر حب الله
511
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)
المتني سوف يتضاءل تلقائيّاً ، على خلاف الحال لو وسّع مفهوم معارضة الكتاب الكريم ، كما فعل بعض العلماء المتأخّرين ، فإنّ النشاط النقدي سوف يصبح أوسع وأكثر شموليّةً . بل ثمّة نظريّتان هنا تحدثان إرباكاً في بعض عمليات النقد المتني ، وهما : أ - نظرية اختصاص فهم القرآن الكريم بأهل البيت تكويناً أو تشريعاً ، حيث تُعجِزُنا هذه النظريّة عن نقد الحديث انطلاقاً من معارضته للقرآن ؛ لأنّ المفروض أننا لا نفهم القرآن حتى ننقد الحديث وفق فهمنا للكتاب ، أو أنّنا ممنوعون شرعاً من تفسيره . ب - نظرية البطون القرآنية ببعض تفسيراتها ، حيث تسمح بتأويل الكثير من النصوص الحديثية التي تبدو غير متوالفة مع بنية النص القرآني ، انطلاقاً من كونها تتعاطى مع البطون القرآنية التي لا ندركها . إنّ نظرية الاختصاص باطلة ، وفاقاً لمشهور علماء أصول الفقه وخلافاً للإخباريين ، كما أنّ نظرية البطون صحيحة ، لكن بشرط أن تكون البطون منسجمة مع الظواهر وتعدّ تعميقاً لها ، بحيث تمرّ العملية التفسيرية للبطن عبر جسر الظهورات اللفظية من خلال المقارنات والمقاربات المعمّقة بين الآيات القرآنية الكريمة لا بطريقة تتعالى عن هذا المنهج ، وليس ما لا نفهمه من القرآن مبرراً كافياً لردّ الحديث الذي يحكي عنه ، بل لابدّ أن يكون الحديث غير متوالف مع الكتاب . إلى جانب ذلك ، رأينا أنّ نظريّة التقيّة في بيان الأحكام الشرعيّة والتي آمنت بها الطائفة الإماميّة لها تأثير واضح على طبيعة تعاطينا مع صدور الحديث ، حيث تعيق إعاقةً واضحة قدرتنا على إثبات الوضع في الحديث نتيجة النقد السندي ، كما يمكنها إعفاء الرواة من تهمة الكذب حتى لو جاؤوا برواية تخالف العقل والصواب ، لكنّها تستطيع إسقاط الإرادة الجديّة من الحديث ، واعتقادنا الشخصي أنّه قد حصل بعض الإفراط في الثقافة الشيعيّة في تطبيق قانون التقية على أهل البيت أنفسهم في مجال بيان الأحكام ، وأنّ الأمور لا تبلغ حدّ تصوّر صدور هذا الكم الكبير من الأحاديث عنهم بنحو التقيّة .